الإقامة في طيات الموج للأستاذ والشاعر محمد الصابر
الإقامة في طيات الموج **
في لسان العرب الجيل : الصنف من الناس ، و الجيل الخلف.
و كلمة Génération تعني النسل و النشء و معناهما في العربية أول ما نشأ . ظهرت في اللغة اللاتينية في القرن الرابع الميلادي ، وفي قاموس أكسفورد في القرن الثاني عشر ، و في الفرنسية في القرن الثالث عشر.
لدى الإغريق يعني النشء : العبور من الكائن إلى اللاكائن.
و أركان تحققه حددها أرسطو في مبادئ ثلاثة : ذات لا تتغير ، عرض يتغير ، فقدان يحول العرض إلى نقيضه . و يستخلص أرسطو ما يلي " لا وجود لنشء يأتي من اللاكينونة ، وهو ما لا يمتنع معه وجوده انطلاقا من اللاكينونة أي انطلاقا من العرض " و الفقدان هو لا كينونة عارضة يتحقق به النشء .
و يرى لا يبنز من خلال إحدى المقاربات التعريفية لكلمة جيل أن " النشء و الهدم ليسا سوى صيرورة انقباض و انبساط و تراقي قوة الجوهر ".
و لعلماء الاجتماع في مفهوم الجيل رأي يختزله هانس جوناس على النحو التالي " إن مسؤولية جيل ما تنشأ إزاء الجيل الموالي عندما يشرع بتبصر في الحيلولة دون قيام الجيل الموالي بمسؤولياته بنفس درجتها .
و إذن لا مناص من خصومة ما تنشأ عندما يشرع الجيل الموالي في التشبع بروح العصر ذي المضامين الرمزية .
الجيل إذن مشهد ، تشكل جماعي ، صيرورة انقباض و انبساط قوة الجوهر ، يقول لايبنز " لا وجود لجسم من دون حركة و لا لجوهر من دون جهد ".
علينا إذن أن نحترز ألا نكون أصحاب عقيدة صارمة إزاء التصور المادي لجيل الثمانينات أو التصور المادي لشعر الثمانينات : ذلك أنه ليس ثمة شعر ثمانيني ، و ليس ثمة شعراء ثمانينيون .
هناك شعراء لم يعيشوا أحداث 1965 ، و لا تفاعلات المؤتمر الخامس عشر للإتحاد الوطني لطلبة المغرب ، و لا محن النقابة الوطنية للتلاميذ سنة 1972 ، وهو ما حصل في فرنسا حيث لم يعش الشعراء الذين ظهرت نصوصهم في هذه الفترة أحداث 1968.
شعراء لم يكن رهانهم الأول الصوت الأول ، الصوت الميتافيزيقي ، ذلك أن الشعر الهتافي بدأ في التراجع منذ مطلع الثمانينيات و بدأت مدرجات الكليات التي كانت تعج بالجمهور تفرغ شيئا فشيئا و بشكل رهيب .
هناك تراجع في التشبع بالشرق لأنهم لم يتلقوا دروسهم على يد المرحوم أمجد الطرابلسي ، و إنما وقفوا مشدوهين أمام فكرة المغرب الثقافي الذي بشر به المرحوم عبد الكبيرالخطيبي .
إن هؤلاء الشعراء هم الشعراء ما بعد السبعينيين و الذين ما تزال ملامح الجيل لم تستقر لديهم.
أولئك الذين عاشوا حالة من الإبعاد و الإقصاء من قبل السبعينيين شعراء و نقادا " هذا الجيل لا يتمتع بصحة العافية الثقافية كما كان عليه جيل الفترة السابقة " يقول أحد شعراء السبعينيات ، و يتابع " في شعرهم توهج لا يلبث أن يتلاشى ، فالشعراء فقدوا جغرافيتهم و أمكنتهم و أزمنتهم " الكلام نشر سنة 1997 في أخبار الأدب .
شعراء جاؤوا من اليتم فالسبعينيون كانوا يرون فيهم أصحاب كلام مرصوص بعضه فوق بعض لا يتقنون الوزن و ليست لهم أذن موسيقية ، و جمهور الطلبة كان يغادر مدرجات الكليات حيث تقام الأمسيات الشعرية ، و الملاحق الثقافية كانت لا تؤمن الإنتشار إلا لمناضليها منهم .
هل كان هذا الإبعاد وراء بحث ما بعد السبعينيين كل عن مسارب ضوئه الخاصة ؟
وراء بحثهم عن الشموس المعتمة التي تدفئهم بالتأويل ؟ وراء مطاردة الأضواء الهاربة في شكل صور كالوحوش الواثبة صوب أصلها الأول ؟
ما من شك في أن تشكيلة خطابية معينة حلت محل التشكيلة الخطابية القائمة ، وأعلنت كما يقول فوكو أن تحولا عاما قد انبثق ، تحولا في العلاقات القائمة بين عناصر الخطاب لكنه تحول لم تظهر ملامحه النهائية بعد.
غير أن هذا التحول كان كامنا في المتن السبعيني ، و ثم التقاطه بذكاء ، كانت بعض الصياغات قد أخذت في التشكل انطلاقا من شعر السبعينيات .
و من حيث إن العمل الفني ينتج بفضل التوتر بين سلسلة من المقاصد و سلسلة من العوامل التي تقاوم هذه المقاصد ، و من حيث إن الأثر هو علامة على التاريخ و مقاومة للتاريخ في الآن نفسه ، فإن لصاحب الأثر أوهامه و تدبيره لهذه الأوهام ، أخذ شكل التفاوض مع جيل السبعينات لتدبير التوتر ، ففي البدء تمثل التوتر في حدين : حد الوضوح ( الكلام ) و حد الغموض ( الكتابة ) .
و لكي أكون شاهدا مارست هواية الغموض بما هو احتراز مؤنس ، احتراز الخارج من لعبة الأشباح و الكوابيس المثيرة ، بنشوة ملتبسة تشبه ذلك الخوف الناعم و اللذيذ في الآن نفسه .
كان الشكل الثاني من التوتر هو رسالة إلى جيل السبعينيات تقول عكس ما يعتقدون أننا نتقن بحور الخليل.
ثم كتب هؤلاء الشعراء قصيدة التفعيلة و لم يكن شعر التفعيلة بالنسبة لنا الذين شهدنا هذه المرحلة سوى رسالة إلى الشعراء السبعينيين الذين اتهمونا بأننا لا نكتب الشعر و إنما نكتب النثر و وجهنا هذه الرسالة و نحن نعلم أن الرومانسية حسمت الخلاف في الحدود بين الشعر و النثر ، كان منا شعراء لم يفضلوا التفاوض بل تطرفوا فكتبوا القصيدة ذات الشطرين ، ولا يزالون يكتبونها إلى اليوم ، و كان منا شعراء رفضوا أن يكتبوا شعر التفعيلة .
كانت الرسالة الثالثة هي الانشغال بالمكان ، المكان الجغرافي كرد فعل عفوي على أن أشعارنا لا انتماء جغرافي لها .
كانت الرسالة الرابعة هي أن نكتب قصائد طويلة ، لا أدري كيف حصل ذلك في الستينيات من القرن الماضي عندما كانت مجلة " أنفاس " تركز على معيار طول القصائد كشرط للنشر .
كانت خامس الرسائل عناق التجربة الصوفية ، لا كتقوى و ورع و إنما كتحرير لمفهوم الشعرية و كترجمة لاتصال المتناهي باللامتناهي .
بهذا التفاوض انتزعنا الاعتراف و شرعنا في إيقاظ الوعي الشعري على لا وعيه .
لكن هل كان التفاوض متكافئا ؟ لا أعتقد . ربما كان الأمر يتعلق بذلك النزوع لدى الشاعر مدرس اللغة العربية تحديدا بالطالب .
المدرس لا من حيث هو الشاعر الباحث عن أقضية معرفية جديدة ينخرط فيها مع القرين الذي قد يحل محله ذات يوم ، و إنما المدرس من حيث هو التلميذ الممتاز ، الذي يريد أن يتفوق دوما على قرينه .
فجل شعراء جيل السبعينات كانوا تخرجوا من كلية الآداب ، وكانوا مدرسين ، و لذلك هيمنت فكرة التحصيل لديهم أكثر مما هيمنت فكرة التخييل .
نحن أتينا من مدرجات أخرى ، أتينا من مدرجات علم الاجتماع مدرجات الفلسفة ، مدرجات كلية الطب ، مدرجات كلية الحقوق ، و مدرجات علم التاريخ ...
هل كان لدينا وعي بأن قدر الشاعر ليس بالضرورة أن يكون خريج كلية الآداب قسم اللغة العربية ؟
أشك في ذلك ، لأن كلية الآداب بقيت بالنسبة إلينا مشغلا للشعر الشعري و للشعر الأدبي على السواء .
غير أن ما لا شك فيه هو أن تخرجنا من غير كلية الآداب ، كان وراء إهمال النقد - وهو في الأغلب نقد مناضل و في أحسن الأحوال نقد صحافي و سخيف اخترعه البعض لتسلية نفسه - لتجاربنا ، و تسهيل الرقابة و الملاحقة المدعومة بكوننا عزلا و بكوننا لسنا أصحاب نفوذ في الكلية .
لم يحصل هذا لجيل الثمانينيات في فرنسا مثلا الجيل الذي انخرط في غنائية خصبة ، حتى سمي الجيل الغنائي بامتياز .
ورغم ذلك أصبحنا نحن ما بعد السبعينيين نعبر عن طاقة تحولنا ، و ادعينا أننا نعزز قوة النوع الشعري ، و لم ندع أن شعر السبعينيات استنفد مؤونته الشعرية ، واعتقد البعض منا أن ملامحنا اكتملت.
و هكذا لم يأت شعر الثمانينات إلا في التسعينيات .
أصبح السؤال كيف تتحرر من الأرض لعناق العدم ، و من الضوء لعناق العتمة .
كيف تتحرر من " أنا " غنائية بنت يقينها حول ذاتها ، و نعبر صوب الضفة الوحشية لنهر الشعر حيث برهة الضوء
لم يحصل هذا في المغرب فقط ذلك أن الأدب التونسي لم يتقو حضوره و حركيته إلا مع مطلع الثمانينيات ، وبدأ استقلاله عن الشرق ، فقد عبر عبد الوهاب المودب بكتابه Talismano بمرجعية فلسفية تحيل على التراث العربي الإسلامي للوقوف على البعد السحري ، وقد أصبح التصوف حركة أدبية بعيدة عن مفهوم التقوى و قريبة من مفهوم الحلول في الشعر.
إن المشهد ما بعد السبعيني هو الذي عرف تحرير مؤسسة الشعر من مؤسسة الأدب ، ففيه نشأت بيوتات الشعر و التي أرسى دعائمها الشعراء ما بعد السبعينيين كما في المغرب .
إذ تأسست بيوتات الشعر :
في فرنسا سنة 1984.
بيت الشعر التونسي في 25/10/1993.
بيت الشعر المغربي في 08/04/1996 .
بيت الشعر الفلسطيني سنة 1998.
أما أنا فقد أمضيت مدة طويلة و أنا أتكلم ، و لم أبدأ الكتابة إلا أخيرا بدءا من " الجبل ليس عقلانيا " صاحبت بعضا من شعراء جيل السبعينيات ، و لكن أروعهم كان عبد الله راجع الذي كتب الشعر و هو ميت و مات و هو يكتب الشعر.
ذلك أنني أنتمي إلى جيل آخذ في التشكل ، جيل قاطن في طيات الموج و في حركة الرمال ، جيل مسكون بالدنو من الشعر ، الدنو من الشعر فقط .
الدار البيضاء في 21/05/2009
** نص شهادة الشاعر محمد الصابر في " أمسيات فاس الشعرية " التي نظمها بيت الشعر بالمغرب أيام 22 – 23 – 24 ماي 2009.