دخل "المرضي" إلى القاعة الجديدة وأغلق الباب بنفسه. الحصة لن تبدأ إلا بعد ساعة. و ضع محفظته على طاولة من الصفوف الأولى وخلع المعطف المبلل. وقف برهة يتأمل معالم القاعة. لا تشبه الأخرى. مضاءة. رحبة. مفتوحة. وليست موصدة دونه والشمس و المطر. بعد لحظة ستضج بصياح التلاميذ وشغبهم. نوافذ متراصة من كلا الجانبين. تطل من جهة على الشارع والجناح الداخلي النائم والمروج الآسنة المحيطة به، وعلى الساحة في الطرف الآخر وملاعب الرياضة التي أصبحت بدورها مروجاً آسنة. توجه نحو المكتب وأخرج من محفظته صورا لفرويد وسارتر وغاندي وفوكوياما وطفل يقذف بحجـــارة و "حنظله" وقد و ضع يديه على رأسه قائلا:
- " يا للسلام بعد غزة و أريحا...؟ "
وعلقها على الجدران. جلس. لا يبدو أن جود المطر سيتوقف اليوم كما أكد مخنث الأرصاد الجوية البارحة. كان غيثاً و حياء فأصبح هطلاناً وسحيتة. مرر كفيه على رأسه و مسح وجهه. أخذ يعد المقاعد الشاغرة. أربعة صفوف بسبعة مقاعد ثنائية. ستة وخمسون. أشعل سيجارة. سيدخلون بعد لحظات وسيحاول ألا يدخن طوال الساعتين. أخرج المقرر ونظر في فهرس الموضوعات من جديد. لقد ارتأى أن يبدأ درسه بلمحة عن عالم ما قبل الحرب ويذهب عبر تراتبية زمنية ليمسح كل المحطات المقررة مثل حكايا الجدات في المخادع. فحتى لا تشرد الرؤوس عبر هذه النوافذ ينبغي أن تنظر إلى هذا التاريخ مثل سلسلة متناغمة من الأحداث البسيطة المتصلة المفصلة. شعلة الحرب يوم 28 يوليوز 1914 تفتَقت من سراييفو، هذه المحاصرة منذ سنة. سيقول لهم أن ستالين إنسان مهزوم نفسيا. وأن هتلر لو قرأ شوبنهاور ونيتشه لامتلك العالم فعلا. لكنه لم يفعل. اكتفى بغروره و اندفاعه. ومع ذلك، فهل يضع الموت حدا للجنون؟ في يوم آخر، سيضيف على هامش تاريخ العالم في القرن العشرين أن حرب الخليج كانت مأتما لكل العرب وجنازة لأعراضهم التي صانوها منذ هلّ المهلهل، وأن التجمعات الدولية والمعاهدات خدعة رسمية، وأن الديمقراطية وشعارات حقوق الإنسان لها أيضا عضلاتها، وأن العرب هذا أصبح حالهم، وأنْ لا غالب إلا هو. سيحدثهم كلما سنحت السانحة عما يربط التاريخ بالمعيش. أما اليوم فسيخصصه للتعارف و الحديث التلقائي عن أي شيء يعنّ له أو لهم. ظن أن هذا قد يبسط بعض الحميمية على علاقته بهم. نهض. تساءل كم تكون الساعة. وتمنى للحظة لو أنه عمل بنصيحة "حميد" وأخذ ساعته. فيم يمكن لساعة أن تضير معصمه؟ لا ضير. غير أنه لم يتعود عليها. على أيّ فقد سلبوه عادات كثيرة غير هذه، ومعتقدات أكثر. أشعل سيجارة واتجه نحو الباب. هبط. لم يكن هناك أحد. حتى الحرس لا أثر لهم. عاد إلى القاعة وأخذ ينظر من إحدى النوافذ. ضباب رقيق يغشى الزجاج ومطر جانبي ينقره متتاليا ومتدافعا. المارة بالشارع المقابل لا يكادون يحصون على أطراف اليدين، والديمة استلذّت الهطل فتبزّلت ولم تحد. في الطرف الآخر، تبدو الساحة والملاعب جداول موحلة تتقاطع في ركود الماء و انسيابه. لا مكان للوطء.
ظهر كلب خلف شباك ملعب كرة القدم يعدو نحو مستودع الملابس. إلى أين يمضي هذا التعس؟ أعياه الباب الذي لم يفتح فسار حذاء الحائط عله يجد مكانا ينزوي فيه ويجف من بلله. لماذا لم يرن الجرس بعد؟ فكر "المرضي". هل يكون اليوم الأحد؟ بل الاثنين، أكيد. أخرج الورقة التي وصلته بالبريد المضمون:
"...و عليه، ينبغي عليكم الالتحاق بمقر عملكم يومه الاثنين ثامن مارس القادم. وبه الإعلام والسلام". ثم الإفادة التي بعثها له مدير الثانوية يعلمه فيها أنه توصل بقرار تعيينه من الوزارة الوصية، وعليه أن يلتحق بالمؤسسة يوم الاثنين 8 مارس على الساعة الثامنة صباحا بالقاعة رقم 16. إنها القاعة رقم 16. ورفقة الإفادة استعمال زمن يضبط توقيت العمل على مدار الأسبوع، مع إشارة إلى مستويات الفصول. أيكون هناك من خطأ؟ لكن الباب الخارجي مفتوح! ألم يقولوا شيئا في الأخبار؟ أكيد أنه ليس يوم عيد. جمع أغراضه وارتدى معطفه وخرج. الإدارة مقفولة، والجناح الداخلي أيضا. ألم يستيقظوا بعد؟ توجه نحو الباب الكبير ومرق إلى الخارج. اقترب من فتاة تدثرت بشجرة في انتظار فتور المطر وسألها بعد التحية:
- كم الساعة من فضلك؟
- التاسعة وعشرون.
- شكراً.
ابتسمت. ماذا يحدث؟ لم يعبأ بالمطر وتابع طريقه إلى أقرب مقهى لينظر ماذا يفعل. لكن، من فتح الباب الخارجي؟ وقاعة الدرس؟ فنجان القهوة الذي أحضره النادل، وكوب الماء والجريدة، وسوس له أنه ربما كان تماطلا آخر على قرار التعيين. بدت له فكرة سخيفة، لكنه قد ينتظر الأسوأ. هل يذهب بدوره للاعتصام أمام الوزارة؟ هل يعود لنقطة الصفر من جديد؟ فضَّل العودة إلى زنزانته في "الشاون" إن لم يكن هناك ما تراه العين غير تلك المستنقعات الآسنة وذاك الكلب البائس. رشف قهوته وبسط الصحيفة أمامه مبعداً وساوسه الأمارة. في الجانب الأعلى، على ثلاثة أو أربعة أعمدة، قرأ بالأحرف البارزة:
"بعد بلاغ يوم 5 فبراير الماضي، تخوض الأسرة التعليمية اليوم وغدا إضرابا وطنيا احتفاءً بيوم المرأة..."
شكري البكري، من مجموعة "الغواية البيضاء وبعض أسمائها"...