انتابني الذهول للحظات
لم أعد أعي حقيقة الأمر .. هل أنا في حلم أم في علم؟؟؟
تمالكتُ نفسي حتى لا تبدو على وجهي علائم الدهشة، واستحضرت ما بقي من ذاكرتي .. وعرفت أن هذا الشخص من سراقب .. بلدتي ..
إنه .. إنه .. من بيت حاج موسى .. نعم .. لكني بالضبط .. لا أعرف اسمه ..
أجبته: أهلاااااااااااااا .. كيف حالك؟؟ .. ما الذي أتى بك إلى هنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ يااااا .. رجل!!!
قال: أنت ما الذي أتى بك؟؟؟ وليس أنا!!
ثم قال لي بعد أن أفسح لي مجالاً للدخول: إدخل أولاً .. وبعدها نكمل حديثنا.
دخلت ..
فإذا هي مضافةٌ واسعة .. على نواصي الجدران تتوزع الأرائك .. وتعلَّقت بعض الصور فوقها .. واضمحلت النوافذ حتى لتكادُ أن تبخلَ بولوج أشعة الشمس المتوهجة خارج المكان .. وتشعر برائحة التبغ الذي تم تدخينه في الليلة السابقة وقد تخمَّرت على الجدران وفي فضاء الغرفة .
والصمت .. الصمت يثير في النفس الذهول .. ويفتح أمام الفكر آفاقاً رائعةً سحيقة البعد .. حتى ليخيلُ إليك أنك تسبحُ في فضاءٍ سرمدي .. تنتشي عندما يقطع عليك الصمتَ من حولِك نعيقُ غرابٍ أو ثغاء جمل.
كلُّ ذلك .. وما تزال عيناي بين فينةٍ وأخرى تتعلقان وجه مضيفي الباسم الذي يتحفني كل حين بعبارة ترحيب .. تتبعها عبارة استغرابٍ ودهشة.
قلت له: قطعتُ آلاف الكيلومترات من سوريا إلى هنا .. حيث لم أتوقع بحالٍ من الأحوال .. أن ألتقي بشخص أعرفه .. فإذا بك أنت .. مضيفي؟؟؟؟ !!! صدقني أنا لم أستوعب الأمر بعد.
قال: منذ سبع سنواتٍ أنا هنا .. جئتُ أعمل على حفارةٍ للآبار الارتوازية .. وطاب بي المقام ..
سألت: لم تعدْ إلى سورية منذ سبع سنين؟؟؟؟
أجاب: نعم .. وربما سأستمر سبع سنينٍ أخرى
واااااه .. انتابنتي الدهشة مجدداً ..
ما الذي تقدِمه مثل هذه الرمال المترامية على مدِّ البصر لرجلٍ اعتاد الحياة في مجتمعاتٍ تغصُّ بالضجيج وبالحركة؟؟
صدقوني أن مثل تلك الأجواء تُشعرُ المرءَ بتوقفِ الزمان ..
توقف الزمان .. نعم .. يتوقف الزمن وتتسمر عقارب الساعة ويصبح النهار طويلا بقدرٍ تبدو فيه الأعمار ردحاً .. والحياة رحيــــــــــــــــــــــــبة.
تمدّدت على بساطٍ وثير تحفُّني الوسائد من جهتين .. وظهري يستند إلى وسادةٍ.. وبدأ النعاس يداعب أجفاني، بعد تلك الرحلة التي أحسستُ من خلالها بشيءٍ من الإرهاق .. وفي جوٍ يسعى فيه النور إلى التلاشي إلا من خلال شقوق الباب أو النوافذ .. ليرسل خيوطاً تسعى لتضيئ بقعة ضوءٍ هنا ,, وبقعةً هناك .. كأنها سلالمُ من نورٍ تتصعدُ في الفضاء .. وعلى مسيرها تشاهدُ ذرّاتِ الغبارَ تتراقص متزاحمةً كأنما تنجذب نحو النور كالفراشات ..
قلت: أعرف أنك من بيت حاج موسى .. ولي أصدقاء أحبهم كنا في الابتدائية زملاء .. طارق ومطيع .. ولكني بالضبط .. اعذرني .. لا أعرف اسمك.
قال: أسعد .. كيف إذن أعرفُك ولا تعرفني؟؟
قلت: كيف لا أعرفك .. قلت لك أعرفك تماماً .. وكثيراً ما تبادلنا التحية عندما كنا نلتقي في السوق أو في الحارة .. لكن الشي الذي لا أعرفهُ فيك هو فقط الاسم .. لأنني لم تربطني بك علاقةٌ تنطوي على ديمومة ..
ثم ألم تلحظ أن قلبي تفتحتْ لك أبوابُه منذ اللحظة الأولى؟؟ .. يا ابن بلدي؟؟؟
ضحكنا .. ثم أخذتنا الغفوة ..
خاصةً وأننا كنا في ظهيرة يومٍ رمضاني قائظ .. وكلانا صائمان.
طالت غفوتنا ساعات .. لم تؤرقنا فيها حركةٌ ولا صوت .. جاء في نهايتها رجلٌ يوقظنا .. : اقترب موعد الأذان .. فهيا .. تحضرا للصلاة ..
نهضنا إلى الوضوء .. وكانت الشمس قد قاربت على المغيب ..
كان يتجمعُ في فناء المنزل بضعُ عشرة رجال .. كأنهم في طور التحضُّر لمناقشة أمرٍ ما .. أو .. هكذا تخال.
ألقينا عليهم التحية، واصطحبني مضيفي إلى خزان الماء .. حيث كان هناك صنبورٌ على ناصيته .. استخدمنا مياهه للوضوء.
كانت عتمة المغيب تلقي ظلالها رويداً رويداً .. وكان النشاط بدءَ يدبُّ في أركان المكان .. فترى سيارة قادمة .. وأخرى غادية ..
حتى لتشعر أن بداية النهار في تلك الأصقاع .. هي ساعةُ المغيب ..
ربما اجتمع على ذلك أمران .. رمضان والقيظ.
للتوِّ أشير إلينا أن ننطلقَ إلى المسجد .. تبعنا الرهط .. لا أعرف تماماً أيَّ مسافة سنقطع .. ومشاةً سنصل أم راحلين .. ففي الأفق لا تبدو أيّة مئذنة أو أية قبة .. لكن ..
لم يكن المكان بعيداً .. كان المسجد غرفةً متوسطة الحجم على مسافةٍ غيرِ بعيدة .. مُدَّ أمام بابها مائدةٌ على بساط .. حوت شيئاً من رائب اللبن وبعض الخبز والبلح ..
تجمَّعَ ذاتُ الأناسِ قبالة باب المسجد .. وكانتِ الأحاديث تتعالى هنا وهناك .. بعدها سمعنا صوت الشيخ يطلبُ من أحدهم: هيا .. أذِّن.
فارتقى ذلك الشخص أكمةً قريبة .. وبدأ يرفع الأذان .. عندها .. باشر الناس بالتحلُّق حول المائدة الممدودة .. وأخذة يتناولون الطعام وهم في وضع القرفصاء .. كنتُ أنا وأسعد من بين المعويين إلى تلك المائدة .. فانهلتُ على الطعام وقد نال مني الجوع والعطش .. فأكلت .. على فقر تلك المائدة .. حتى شبعت .. وقد خمَّنتُ أنه التقشف والفقر .. وحال العبادِ هناك .. فلا ضير .. ولا تكبُّر على نعَمِ الله.
ثم دخلنا المسجد نصلي المغرب.
بعدها عادت معظم تلك الجموع الغفيرة ممن كان في الصلاة .. إلى مضافة الشيخ .. وبدأت سهرةٌ حافلة .. ظننتُ في بدايتها أنها ستقتصر على طقوس التدخين وتخزين القات ..
إلا أن ما حدث بُعيدَ ساعةٍ من آذان المغرب كان مدعاةً لأسفي وتحسُّري .. فقد دخل علينا بعض الولدان بمائدةٍ أعجز عن وصف ما حوَتْ من أصناف.
اللحم والرز والمناسف والخبز من أصنافٍ عديدة وأشياءُ وأشياء .. لم أعد أذكر أنواعها.
لكن الشيء الذي لا يمكن أن أنساه .. كان وعاءً مترعاً بحليب الناقة .. حليبٌ لا يشربُ إلا طازجاً غير مغليٍّ ولا مُحلّى .. ما أزال أذكر طعمه اللذيذ حتى اللحظة.
قيل لنا: تفضلوا ..
نظرت إلى أسعد .. وكأنما لسان حالي يقول: أصلحك الله .. نبهني إلى أن تلك المائدة على باب المسجد كانت كُسران صفرة.
قلت للشيخ الذي لم أكن قد تحدثتُ إليه بعد عن أيِّ غرض: اعذرني شيخ .. لقد اكتفيت ..
استنكر بلطف .. وقال: هذه الوجبة الرئيسة اليوم .. وإن أنت لم تأكل .. ستتلوى جوعاً في الغد .. تقدم.
بدأتُ بالحليب .. ثم بلقيماتٍ من المرق واللحم والرز ..قدر المستطاع .. بعدها قمتُ أشكر ضيفي وانطلقت إلى غسل يدي.
ضمنا المجلس والشيخ .. وتحدثتُ إليه عن سبب مقدمي بعد أن تعرَّف إلي .. ولم أعد أذكر ما انتهى إليه الحديث .. لكني أذكر أنني اقتنعتُ بعدم قدرتي على تحمل شظف العيش في تلك البقعة المقفرة، و .. قررت العودة إلى تعز.
في اليوم التالي..