اعلانات
   اعلانات      اعلانات      اعلانات       اعلانات         اعلانات          اعلانات          اعلانات          اعلانات           اعلانات       اعلانات       اعلانات    اعلانات                                                                                                                                            


اجعل إهداءك راقيا متحضرا ، تماما كما هي روحك ..

العودة   تجمع شعراء بلاحدود النثر ... (بإدارة القاص وائل الحوراني) قصة قصيرة
قصة قصيرة نبض اللغة وإشراقات الروح

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: إلى الساحره...!... (آخر رد :خالدسرحان الفهد)       :: أمية ٌ أصابعي.., (آخر رد :منار القيسي)       :: البقاء الاخير (آخر رد :هيثم الريماوي)       :: شارك ببيت من الشعر أو مثل أو ما تشاء من قول مميز (آخر رد :مكي النزال)       :: // أنيـــــــــــــن العيــــــــــــد // (آخر رد :هيثم الريماوي)       :: منتصف العري (آخر رد :هيثم الريماوي)       :: وجع ما ( من ديوان ثانى أوكسيد الصمت ) (آخر رد :عبدالله الشوربجى)       :: رسالة كل يوم - مكي النزال (آخر رد :مكي النزال)       :: (الْيَوْم عِيْد الْفِطْر) شِعْر عَبْد الْمَجِيْد فَرْغَلِي رَحِمَه الْلَّه (آخر رد :عمادالدين رفاعي)       :: عزف منفرد في وجه إمرأة موسيقي...الترنيمه الافتتاحيه؟ (آخر رد :هيثم الريماوي)       :: حوارية العيد...قراءة فاتحة الموت/قصيدة مهداة للشاعر "محمود النجار" ولتجمع الشعراء (آخر رد :اسعدمحسن مفتاح)       :: أبيْتَ اللعْن (آخر رد :محمد ابوحفص السماحي)      

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الدكتور طاهر سماق
الصورة الرمزية الدكتور طاهر سماق
شاعـر
رقم العضوية : 489
الإنتساب : Sat Aug 2008
الدولة : سوريا - إدلب - سراقب
المشاركات : 253
بمعدل : 0.34 يوميا

الدكتور طاهر سماق غير متواجد حالياً عرض البوم صور الدكتور طاهر سماق



  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : قصة قصيرة
افتراضي إلى مأرب (قصة قصيرة)الجزء الأول
قديم بتاريخ : 06-12-08 الساعة : 01:58 PM

إلى مأرب (قصة قصيرة)الجزء الأول

قررت بلا تردد .. أن أنقل مكان عملي من ريف تعز إلى مأرب

وما أوسع البون!!

من جبالٍ واخضرارٍ ومعالم تحضّرٍ إلى صحراءَ وبداوةٍ وقبليةٍ حتى النخاع ..
رغم ذلك .. استهواني التغيير .. لا أدري لماذا ..
ربما سعياً وراء إرضاء ميوليَ الجامحة في حب الاستكشاف والنزعة للمغامرة .. ولكن .. ليس بذاك القدر الذي يودي بي إلى التهلكة على كل حال.

حسمتُ أمري وحزمت حقيبتي وغادرت إلى صنعاء ..
كان لي فيها أصحابٌ ساعدوا بتقديمهم عنوان الشيخ (محمد شجمان الشريف) في حصون آل جلال – عرش بلقيس – الحدبة .. قرب مأرب ..

أخذتُ العنوانَ بدقَّة حتى لا تنتابَني الخشية إن عدَلْت .. واستقليتُ حافلةٍ تتجه إلى مأرب ..
كان مسيرنا في التاسعة صباحاً .. ذلك حتى تتسنى لي فرصة العودة في نفس اليوم إن لم ألتقِ بمضيفي .. وحتى أصل خلال الدوام الرسمي .. لأتمكن من متابعة إجراءات النقل في المجمع الحكومي بمأرب قبل انصراف الموظفين
غادرنا صنعاء في كتلٍ من الجبال، وطريقٍ ملتفَّةٍ كالأفعوان، منحدرةٍ باتجاه الشرق إلى حيث انتقلنا فجأةً من جبالٍ وصعودٍ وهبوط .. نحو سهلٍ واسعٍ يمتلئُ صفرةً كأنها أمواج بحرٍ هائلٍ من الرمال ..
كنا على أطراف الربع الخالي .. بالفعل. ويا له من ذهولٍ انتابني لهذا المنظر الذي يجعل الخيال ينطلقُ في رحابٍ لا تحُدُّها آفاق، وفي مجاهل لا يُدرَك لها قرار.
وصلنا مأرب بعد مسيرة ساعتين على وجه التقريب ..
غادرنا الحافلة، إلى .. بلدةٍ كأنها بقايا التايتنك في سكون أمواج الأطلسي في تلك الليلة المشؤومة من عام 1912، في جوٍّ تسطع فيه شمس الصحراء كوهجِ جهنم يوم القيامة .. حتى ليقشعرُّ جسَدُك مما ينتابك من روعة الصمت .. صمتٌ يغتال صوت محرك الحافلة بأسرعِ مما تتوقع.
حتى أولئك الذين كانوا برفقتي .. تلاشوا في هنيهاتٍ دون أن يتركوا لي فرصة اللحاق بأحدهم أو الاستعانة به
انفض من حولي كل من كان يركب الحافلة معي ..
ووجدت نفسي وحيداً في مساحاتٍ خالية إلا من بويتاتَ هنا وهناك ومبنىً محاطٍ بسور .. كأنما هو قلعةٌ من قلاعِ سبأ أو حمير .. امتدت إليها يدُ الترميم فعَمُرَ بنيانها من جديد ..

لم أعد أجد أحداً حولي لأسأله .. فما كان مني إلا أن سرتُ باتجاه ذاك المبنى الذي إن توقع أحدٌ أن يجد أنساً، فلن يجده إلا في أطرافه.

وصلت إلى بوابة كبيرة عالية مفتوحة .. ولجتُ بحذر .. كمن يستجدي صوتَ حارسٍ ليمنعه من الدخول .. ولكن لا أحد

خلت الساحة أمام المبنى الداخلي .. إلا من بضع سيارات (جيب ولاند كروزر) .. تلك الأنواع التي لا يجدي مع الصحراء غيرها ..
كانت خطواتي مرتبكة .. ومسيري متعثر .. ولم أكن أكثرَ تردداً في حياتي من ذاك التردد الذي تقمصَّني من مفرقي حتى أخمص قدميَّ في تلك الساعة الرمضاءَ من وضَحِ النهار
وما كان الصمتُ يوماً أكثر رهبةً لدي من تلك اللحظات .. التي تمنيت فيها أن أسمع , لو نعيق غرابٍ أو صليل أفعى ..

ارتقيت الدرج إلى البوابة الداخلية للمبنى ..
كان مبنىً يتألف من ثلاث طبقات .. وينفرجُ إلى جناحين يمنةً ويسرة .. ومما بعث شيئاً من الطمأنينة في نفسي أني قرأت في لوحةٍ صغيرة ملقاةٍ إلى طرف البوابة (المجمع الحكومي بلواء مأرب)، فقلت في نفسي: هذه ضالَّتي.

يَمَّنتُ في الطابق الأول حتى آخر الممر .. فمررت بغرفٍ مفتوحة .. تُشعِرُك موجوداتُها أن أحداً كان يشغَلُها قبل قليل من الدقائق لا أكثر لكن .. لا أحد.

كنتُ أنتبهُ إلى لفافة تبغٍ أطفئت في منفضة، وما زالت سحائب من دخانها تتصاعد ..
وفي غرفةٍ أخرى ..
كأسُ شايٍ لم يفرغ إلا إلى منتصفه .. وما زالت بعض الأبخرة منه تتصاعد .. لتدلَّ بشكلٍ أكيد أنه ما يزال ساخناً إلى حدٍّ ما..
والصمتُ .. يقطعُ أنفاسي التي ما عدت أسمع غير زفيرها وشهيقها .. ووقع خطواتي التي امتلأت فزعاً وتحسُّب.

وصلت إلى آخر الممر .. فوجدت قطعةً أثرية بحجم تاج عمودٍ من أعمدة أفاميا .. نُقِشَ عليها نحتٌ لرأس رجل .. كأنه من ملوك حمير

كان مشهد التمثال قد وقع في نفسي موقع من يقف في حضرة ملكٍ حقيقي .. فتسمَّرتُ أمامه في خشوعٍ وانصياع .. كمن ينتظر أمراً ليُنفذه ..

وما أصعب لحظةَ سحب نفسي من حضرة ذلك الوهم الذي أحاطني .. فاستدرت خلفاً .. وظني .. بل يقيني أنني سأسمع صوتَ نداءٍ بوجوب العودة.
لكن الصمت كان أقوى من أيِّ نداء ..
لكن .. في تلك اللحظة .. صمَّ مسمعي صوتُ دبُّورٍ أحمر دخل مسرعاً هرباً من حرِّ الصحراء إلى فضاء ذلك الممر الطويل .. فشعرتُ من خلاله أنني عدت قليلاً إلى عالم المحسوسات .. بعد أن أسرني عالمُ الأشباح والطيوف الغريبة.
بعد ذلك .. دخلت في الميسرة .. فكانت ذاتُ الأجواءِ تتكرر أمام ناظري ..
صمتُ و(أنسٌ) كأنه عيونُ الجان، وغرفٌ مفتوحةٌ .. ولا أحد
صعدت الطابق الثاني .. يمَّنتُ ويسَّرت ..
الثالث .. كذلك ..
هنا أيقنتُ أن المبنى قد سكنته الأشباح .. وباتت خطواتي تهرولُ هبوطاً على ذلك الدرج الواسع الذي يتمطى بين جناحي المبنى.
لم أصدق أنني وصلت الطابق الأرضي .. ولاحت لي من البوابة ساحة الفناء ووجهي يمتقع رعباً وقشعريرة ..
في تلك اللحظة التي بحثتُ فيها عن الانفراج .. وفي آخر درجات المبنى خروجاً إلى الفناء .. كانت المفاجئة التي طوحتني بين مزيدٍ من الرعب .. وقليلٍ من الصعداء.
فقد كان ما رأيتُ لا يحل اللغزَّ، بقدرِ ما يربِكُ العقل .. ويبعثرُ الأفكار.

عشراتٌ من الرجال يصعدون درج القبو إلى مكاتبهم في المبنى
عندها تصنَّعتُ الرزانة والهدوء .. بعد أن أيقنتُ أنهم من الأنس .. فكان سؤالي: أين كنتم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
أجابني بعضهم: .. في المسجد .. نصلّي الظهر



حنين حمودة
الصورة الرمزية حنين حمودة
عضو
رقم العضوية : 5
الإنتساب : Thu Mar 2008
المشاركات : 231
بمعدل : 0.25 يوميا

حنين حمودة متواجد حالياً عرض البوم صور حنين حمودة



  مشاركة رقم : 2  
كاتب الموضوع : الدكتور طاهر سماق المنتدى : قصة قصيرة
افتراضي
قديم بتاريخ : 11-12-08 الساعة : 06:45 PM

هه هه ها
أستاذي طاهر سماق،
ظريفة جدا مفاجأتك.. بعد أن قطعت في النفس.
تقديري



الدكتور طاهر سماق
الصورة الرمزية الدكتور طاهر سماق
شاعـر
رقم العضوية : 489
الإنتساب : Sat Aug 2008
الدولة : سوريا - إدلب - سراقب
المشاركات : 253
بمعدل : 0.34 يوميا

الدكتور طاهر سماق غير متواجد حالياً عرض البوم صور الدكتور طاهر سماق



  مشاركة رقم : 3  
كاتب الموضوع : الدكتور طاهر سماق المنتدى : قصة قصيرة
افتراضي
قديم بتاريخ : 13-12-08 الساعة : 08:57 PM

اقتباس : المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حنين حمودة [ مشاهدة المشاركة ]
هه هه ها
أستاذي طاهر سماق،
ظريفة جدا مفاجأتك.. بعد أن قطعت في النفس.
تقديري

شكراً حنين
أفهم من ذلك أنها كانت مشوّقة؟؟؟؟

أكمل لو سمحتِ

الجزء الثاني


غادرت المجمع الحكومي بعد أن أنهيت استفساراتي عن أماكن المستوصفات والمشافي الشاغرة، وخرجتُ أسأل عن حصون آلِ جلال

قيل لي أن عليَّ انتظار سيارة ما تًقِلُّني إلى هناك .. والأفضل أن أطلب من السائق أن يذهب بي إلى عرش بلقيس .. فحصون آل جلال في الطريق إلى العرش.

انتظرت على ناصية الطريق .. وكانت قلةٌ من السيارات تمر.
لم أكن أتحين مرور سيارة عامة .. بل كنت أشير إلى أي سيارةٍ أياً كانت صفتها .. ففي تلك البقعة يجب أن ننسى ما تعلمناه من قوانين التحضر البالية ..
توقفت إحداهن وسألني السائق: أين تسير؟؟
أجبته: عرش بلقيس
فأشار إليَّ أن اصعد
صعدتُ بجانبه وكان خدُّه متورماً من لقمة القات التي كان يلوكُها .. وعيناهُ جاحظتان .. وجبينه مقطّب، ولم يُعرني أية نظرةٍ طوال الطريق

لم يكن محتوى السيارة يثير فيَّ إلا قليلاً من الرعب
بندقية كلاشنكوف معلقة على كتف الرجل .. وحزامٌ من الجلد يحيط بخصره وقد تعلقت عليه ثلاث قنابل يدوية هجومية .. بالإضافة إلى الجنبية (خنجرٌ يتقلَّدُه اليمنيون .. عمومهم) على سبيل الزيِّ والحليِّ ونادراً ما يضطرون إلى استخدامه
كذلك علبة التبغ الملازمة للقات (كمران أو روثمان).
كلُّ ذلك .. وأنا لا أسمع إلا صوت المحرك .. ولا أشاهد أمامي إلا مزيداً من الرمال الصفراء .. وخلف السيارة زوبعةٌ من الغبار تغطي على ناظريَّ ما قطعناه من مسافة .. فأشعر من خلاله أنني ذاهبٌ إلى غير عودة .. (دربٌ ينسدُّ فلا مردّ) .. ولكن .. قد حصل ما حصل فلا مجال للرجعة أو التردد أو الجبن أو التقاعس.

صار أمري فُرُطاً .. وعليَّ أن أتحمل نتائج حماقتي.

بعد صمتٍ طال .. تجرأتُ وقلت للرجل: لا أريد الوصول إلى عرش بلقيس .. مقصدي حصون آل جلال .. عند الشيخ محمد شجمان ..
لم يكترث السائق لكلماتي، ولم يعرني أيَّ انتباه .. كل ما سمعتُه من صوتاً يوحي بالإيجاب: هااااااااااااااااااااع
بضعٌ ونصف ساعة .. وبعدها يلتفت إليَّ: هيا .. هذا منزل الشيخ محمد .. ترجَّل.
نزلت واقتربت منه عبر الجهة الأخرى للسيارة لأعرض عليه مبلغاً من المال .. فقال: لا حاجة لذلك .. مع السلامة.
شكرتُه وانصرف
حملت حقيبتي واستدرت أبحث عن الوجهة التي سأقصدها
فقد كانت الدار واسعةٌ جداً .. وتناثرت غرفها يميناً وشمالاً ولم تكن على اتصالٍ ببعضها .. فأحسست أنني أتجولُ في حيٍّ وليس في دار
كانت تتوسط المكان نخلةٌ باسقة، وبقربها جملٌ يروغ .. وبجانبهما خزَّانٌ للمياه ينتصب على حافته أنبوبٌ ثخين تتدفق من مياهٌ من بئرٍ ارتوازية ..

اخترت بعد تأمل إحدى الغرف في الفناء الواسع ..
وطرقت بابها الحديدي بمجموعة مفاتيحي التي بحوزتي

هي المرة الأولى التي أطأ فيها هذه الديار في حياتي
لا أحد على الإطلاق يعرفني وأعرفه .. ولا أحد يعلم بمجيئي .. أقسم

كان الوقت حوالي الثانية بعد الظهر .. وكان الشهر رمضان .. وكنتُ صائماً ..
لم يجِبني أحد ..
أعدت الكرةَ وطرقت الباب ثانية ..
سمعت صوت أحدهم خلف الباب فاستبشرت خيراً ..
فُتِح الباب
فإذا بوجهٍ كَسَت ملامحَهُ متاعب الصوم والغفوة .. يبادرني بالقول:

دكتور طاهر؟؟؟؟؟؟؟ أهلاً بك!!!!



حنين حمودة
الصورة الرمزية حنين حمودة
عضو
رقم العضوية : 5
الإنتساب : Thu Mar 2008
المشاركات : 231
بمعدل : 0.25 يوميا

حنين حمودة متواجد حالياً عرض البوم صور حنين حمودة



  مشاركة رقم : 4  
كاتب الموضوع : الدكتور طاهر سماق المنتدى : قصة قصيرة
افتراضي
قديم بتاريخ : 14-12-08 الساعة : 09:43 PM

د. طاهر، أهلا بك..
كم حلقة تقطع الأنفاس، وترسم البسمة في حوزتك؟
كلاشنكوف.. وقنابل!!
لطيف.. لطيف..
تقديري



الدكتور طاهر سماق
الصورة الرمزية الدكتور طاهر سماق
شاعـر
رقم العضوية : 489
الإنتساب : Sat Aug 2008
الدولة : سوريا - إدلب - سراقب
المشاركات : 253
بمعدل : 0.34 يوميا

الدكتور طاهر سماق غير متواجد حالياً عرض البوم صور الدكتور طاهر سماق



  مشاركة رقم : 5  
كاتب الموضوع : الدكتور طاهر سماق المنتدى : قصة قصيرة
افتراضي
قديم بتاريخ : 18-12-08 الساعة : 02:03 PM

انتابني الذهول للحظات
لم أعد أعي حقيقة الأمر .. هل أنا في حلم أم في علم؟؟؟
تمالكتُ نفسي حتى لا تبدو على وجهي علائم الدهشة، واستحضرت ما بقي من ذاكرتي .. وعرفت أن هذا الشخص من سراقب .. بلدتي ..
إنه .. إنه .. من بيت حاج موسى .. نعم .. لكني بالضبط .. لا أعرف اسمه ..
أجبته: أهلاااااااااااااا .. كيف حالك؟؟ .. ما الذي أتى بك إلى هنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ يااااا .. رجل!!!
قال: أنت ما الذي أتى بك؟؟؟ وليس أنا!!
ثم قال لي بعد أن أفسح لي مجالاً للدخول: إدخل أولاً .. وبعدها نكمل حديثنا.
دخلت ..
فإذا هي مضافةٌ واسعة .. على نواصي الجدران تتوزع الأرائك .. وتعلَّقت بعض الصور فوقها .. واضمحلت النوافذ حتى لتكادُ أن تبخلَ بولوج أشعة الشمس المتوهجة خارج المكان .. وتشعر برائحة التبغ الذي تم تدخينه في الليلة السابقة وقد تخمَّرت على الجدران وفي فضاء الغرفة .
والصمت .. الصمت يثير في النفس الذهول .. ويفتح أمام الفكر آفاقاً رائعةً سحيقة البعد .. حتى ليخيلُ إليك أنك تسبحُ في فضاءٍ سرمدي .. تنتشي عندما يقطع عليك الصمتَ من حولِك نعيقُ غرابٍ أو ثغاء جمل.

كلُّ ذلك .. وما تزال عيناي بين فينةٍ وأخرى تتعلقان وجه مضيفي الباسم الذي يتحفني كل حين بعبارة ترحيب .. تتبعها عبارة استغرابٍ ودهشة.
قلت له: قطعتُ آلاف الكيلومترات من سوريا إلى هنا .. حيث لم أتوقع بحالٍ من الأحوال .. أن ألتقي بشخص أعرفه .. فإذا بك أنت .. مضيفي؟؟؟؟ !!! صدقني أنا لم أستوعب الأمر بعد.
قال: منذ سبع سنواتٍ أنا هنا .. جئتُ أعمل على حفارةٍ للآبار الارتوازية .. وطاب بي المقام ..
سألت: لم تعدْ إلى سورية منذ سبع سنين؟؟؟؟
أجاب: نعم .. وربما سأستمر سبع سنينٍ أخرى
واااااه .. انتابنتي الدهشة مجدداً ..
ما الذي تقدِمه مثل هذه الرمال المترامية على مدِّ البصر لرجلٍ اعتاد الحياة في مجتمعاتٍ تغصُّ بالضجيج وبالحركة؟؟
صدقوني أن مثل تلك الأجواء تُشعرُ المرءَ بتوقفِ الزمان ..
توقف الزمان .. نعم .. يتوقف الزمن وتتسمر عقارب الساعة ويصبح النهار طويلا بقدرٍ تبدو فيه الأعمار ردحاً .. والحياة رحيــــــــــــــــــــــــبة.
تمدّدت على بساطٍ وثير تحفُّني الوسائد من جهتين .. وظهري يستند إلى وسادةٍ.. وبدأ النعاس يداعب أجفاني، بعد تلك الرحلة التي أحسستُ من خلالها بشيءٍ من الإرهاق .. وفي جوٍ يسعى فيه النور إلى التلاشي إلا من خلال شقوق الباب أو النوافذ .. ليرسل خيوطاً تسعى لتضيئ بقعة ضوءٍ هنا ,, وبقعةً هناك .. كأنها سلالمُ من نورٍ تتصعدُ في الفضاء .. وعلى مسيرها تشاهدُ ذرّاتِ الغبارَ تتراقص متزاحمةً كأنما تنجذب نحو النور كالفراشات ..
قلت: أعرف أنك من بيت حاج موسى .. ولي أصدقاء أحبهم كنا في الابتدائية زملاء .. طارق ومطيع .. ولكني بالضبط .. اعذرني .. لا أعرف اسمك.
قال: أسعد .. كيف إذن أعرفُك ولا تعرفني؟؟
قلت: كيف لا أعرفك .. قلت لك أعرفك تماماً .. وكثيراً ما تبادلنا التحية عندما كنا نلتقي في السوق أو في الحارة .. لكن الشي الذي لا أعرفهُ فيك هو فقط الاسم .. لأنني لم تربطني بك علاقةٌ تنطوي على ديمومة ..
ثم ألم تلحظ أن قلبي تفتحتْ لك أبوابُه منذ اللحظة الأولى؟؟ .. يا ابن بلدي؟؟؟
ضحكنا .. ثم أخذتنا الغفوة ..
خاصةً وأننا كنا في ظهيرة يومٍ رمضاني قائظ .. وكلانا صائمان.

طالت غفوتنا ساعات .. لم تؤرقنا فيها حركةٌ ولا صوت .. جاء في نهايتها رجلٌ يوقظنا .. : اقترب موعد الأذان .. فهيا .. تحضرا للصلاة ..
نهضنا إلى الوضوء .. وكانت الشمس قد قاربت على المغيب ..
كان يتجمعُ في فناء المنزل بضعُ عشرة رجال .. كأنهم في طور التحضُّر لمناقشة أمرٍ ما .. أو .. هكذا تخال.
ألقينا عليهم التحية، واصطحبني مضيفي إلى خزان الماء .. حيث كان هناك صنبورٌ على ناصيته .. استخدمنا مياهه للوضوء.
كانت عتمة المغيب تلقي ظلالها رويداً رويداً .. وكان النشاط بدءَ يدبُّ في أركان المكان .. فترى سيارة قادمة .. وأخرى غادية ..
حتى لتشعر أن بداية النهار في تلك الأصقاع .. هي ساعةُ المغيب ..
ربما اجتمع على ذلك أمران .. رمضان والقيظ.
للتوِّ أشير إلينا أن ننطلقَ إلى المسجد .. تبعنا الرهط .. لا أعرف تماماً أيَّ مسافة سنقطع .. ومشاةً سنصل أم راحلين .. ففي الأفق لا تبدو أيّة مئذنة أو أية قبة .. لكن ..
لم يكن المكان بعيداً .. كان المسجد غرفةً متوسطة الحجم على مسافةٍ غيرِ بعيدة .. مُدَّ أمام بابها مائدةٌ على بساط .. حوت شيئاً من رائب اللبن وبعض الخبز والبلح ..
تجمَّعَ ذاتُ الأناسِ قبالة باب المسجد .. وكانتِ الأحاديث تتعالى هنا وهناك .. بعدها سمعنا صوت الشيخ يطلبُ من أحدهم: هيا .. أذِّن.
فارتقى ذلك الشخص أكمةً قريبة .. وبدأ يرفع الأذان .. عندها .. باشر الناس بالتحلُّق حول المائدة الممدودة .. وأخذة يتناولون الطعام وهم في وضع القرفصاء .. كنتُ أنا وأسعد من بين المعويين إلى تلك المائدة .. فانهلتُ على الطعام وقد نال مني الجوع والعطش .. فأكلت .. على فقر تلك المائدة .. حتى شبعت .. وقد خمَّنتُ أنه التقشف والفقر .. وحال العبادِ هناك .. فلا ضير .. ولا تكبُّر على نعَمِ الله.
ثم دخلنا المسجد نصلي المغرب.
بعدها عادت معظم تلك الجموع الغفيرة ممن كان في الصلاة .. إلى مضافة الشيخ .. وبدأت سهرةٌ حافلة .. ظننتُ في بدايتها أنها ستقتصر على طقوس التدخين وتخزين القات ..
إلا أن ما حدث بُعيدَ ساعةٍ من آذان المغرب كان مدعاةً لأسفي وتحسُّري .. فقد دخل علينا بعض الولدان بمائدةٍ أعجز عن وصف ما حوَتْ من أصناف.
اللحم والرز والمناسف والخبز من أصنافٍ عديدة وأشياءُ وأشياء .. لم أعد أذكر أنواعها.
لكن الشيء الذي لا يمكن أن أنساه .. كان وعاءً مترعاً بحليب الناقة .. حليبٌ لا يشربُ إلا طازجاً غير مغليٍّ ولا مُحلّى .. ما أزال أذكر طعمه اللذيذ حتى اللحظة.
قيل لنا: تفضلوا ..
نظرت إلى أسعد .. وكأنما لسان حالي يقول: أصلحك الله .. نبهني إلى أن تلك المائدة على باب المسجد كانت كُسران صفرة.
قلت للشيخ الذي لم أكن قد تحدثتُ إليه بعد عن أيِّ غرض: اعذرني شيخ .. لقد اكتفيت ..
استنكر بلطف .. وقال: هذه الوجبة الرئيسة اليوم .. وإن أنت لم تأكل .. ستتلوى جوعاً في الغد .. تقدم.
بدأتُ بالحليب .. ثم بلقيماتٍ من المرق واللحم والرز ..قدر المستطاع .. بعدها قمتُ أشكر ضيفي وانطلقت إلى غسل يدي.
ضمنا المجلس والشيخ .. وتحدثتُ إليه عن سبب مقدمي بعد أن تعرَّف إلي .. ولم أعد أذكر ما انتهى إليه الحديث .. لكني أذكر أنني اقتنعتُ بعدم قدرتي على تحمل شظف العيش في تلك البقعة المقفرة، و .. قررت العودة إلى تعز.

في اليوم التالي..


التعديل الأخير تم بواسطة الدكتور طاهر سماق ; 18-12-08 الساعة 02:23 PM.

إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
(رحيل الشمس عن سماء الأرض ) الجزء الأول محمد داوود العونة قصة قصيرة 2 22-09-09 06:18 PM
سأبقى دائما حرا ( الجزء الأول ) عمرو طارق الشوبكى محاولات للوصول 7 08-09-09 04:04 AM
mp3 الجزء الأول والثاني من ديوان ( أجراس الحب ) محمد السلال رفيف النوارس ـ الشعــــــــر العمودي 0 06-05-09 04:28 AM
منحوتات من كلام ( 1 - 70 ) الجزء الأول حسام الدين خلاصي رفيــف النـوارس / قصيـــدة النثـــــر 3 08-04-09 01:04 PM
كيف تكتب قصيدة ناجحة بالنسبة للجمهور.. الجزء الأول عبدالجبار الفقيه دراسات وآراء نقدية في الشعر 22 09-08-08 04:38 AM

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 06:07 PM.

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع حقوق النشر محفوظة لمنتديات تجمع شعراء بلا حدود
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009
الاتصال بنا تجمع شعراء بلا حدود الأرشيف ستايل المودة 2009 الإصدار الخامس عشر من تصميم ابو راشد مشرف عام منتديات المودة www.mwadah.com لعرض معلومات الموقع في أليكسا الأعلى